Home

 

نظرة حول زيارة رئيس إقليم كردستان العراق الى لبنان

 

خضــر علـــي

 

 

 

 تناقلت وسائل الإعلام اللبنانية والكردية خبر الزيارة التي قام بها رئيس إقليم كردستان العراق السيد مسعود البارزاني ، الى العاصمة اللبنانية، بيروت،  يوم الثلاثاء 13 نيسان 2010، تلبية لدعوة وجهها له رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، نجل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، الذي اغتيل في بيروت في عملية إنتحارية إستهدفت موكبه يوم 14 شباط 2005.

 

 

وقد جاءت زيارة البارزاني الى بيروت بعد زيارة قام بها الى المملكة العربية السعودية استغرقت يوماً واحداً، لبى خلالها البارزاني دعوة وجهها له جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز. وبحسب المصادر الكردية والسعودية، فقد أجرى البارزاني خلال زيارته تلك، مباحثات في الرياض كانت جزءاً من سلسلة مباحثات أجراها العاهل السعودي مع عدد من القيادات العراقية حول موضوع تشكيل الحكومة العراقية المقبلة والمتعثرة، وكذلك التطورات الإقليمية والدولية.


وحال وصوله الى بيروت اجتمع السيد مسعود البرزاني برئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري، حيث استعرضا معاً التطورات الراهنة في المنطقة،


وفي اليوم الثاني لوصوله الى لبنان، قام السيد مسعود البارزاني، بزيارتين الأولى الى القصر الجمهوري في بعبدا، التقى خلالها العماد ميشال سليمان رئيس الجمهورية اللبنانية. والثانية الى قصر عين التينة التقى خلالها السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني. وبحسب المصادر الصحفية فإن الحديث في الزيارتين قد تناول العلاقات بين لبنان والعراق بشكل عام، وبين لبنان وإقليم كردستان بشكل خاص، وكيفية تعزيز وتطوير هذه العلاقات لما فيه مصلحة البلدين والشعبين.


هذا وكان البارزاني قد إستقبل في مقر إقامته في فندق فينيسيا كل من أمين الجميل الرئيس اللبناني الأسبق، ووليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي، في لقاءين منفصلين. ولم يصدر عن المجتمعين أي تصريح حول النقاط التي تم التطرق إليها في هذين اللقائين، سوى ما نقلته وسائل الإعلام من أن رئيس إقليم كردستان تباحث مع زواره مسار العملية السياسية العراقية من جهة، وموضوع تمتين العلاقات بين إقليم كردستان ولبنان من جهة أخرى.


وقد اعتبرت مصادر رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني أن زيارته الى لبنان كانت ناجحة، وهي الثانية له، حيث كانت زيارته الأولى عام 1970. إلا أن الأهداف الحقيقية لهذه الزيارة، والتي استمرت يومين، لم تتضح بعد، ولم يعلم عنها سوى ما تناقلته بعض وسائل الإعلام، من أن الزيارة جاءت من أجل التباحث وتبادل وجهات النظر حول تشكيل الحكومة العراقية وقضايا المنطقة.

إلا أن المراقبين لحركة الأوضاع السياسية والأمنية، التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، توقفوا عند هذه الزيارة التي جاءت في ظروف حرجة تمر بها الساحة اللبنانية خاصة والمنطقة العربية عامة. وقد سجل هؤلاء المراقبين جملة من الملاحظات حول توقيت هذه الزيارة والهدف منها، من باب التحليل والدراسة، نوردها كما يلي:
1-
ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية
تزامنت هذه الزيارة مع الذكرى الخامسة والثلاثين للحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت شرارتها الأولى يوم 13 نيسان 1975. وكان اللبنانيون يومها قد انقسموا الى فريقين متناحرين، كما انقسم أكراد لبنان يومها ما بين هذين الفريقين. ففي الوقت الذي ساند اليمين الكردي القوى اليمينية اللبنانية، وقفت قوى اليسار الكردي الى جانب قوى الحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية.
وحول ما إذا كان توقيت هذه الزيارة مجرد صدفة عابرة غير مدروسة الأبعاد، أو أن لها علاقة بذكرى الحرب الأهلية اللبنانية، فقد أكد أحد قياديي أكراد لبنان، أن هذه الزيارة ليس لها أية علاقة لا من قريب ولا من بعيد بذكرى الحرب الأهلية اللبنانية المشؤومة، والتي خرج الجميع منها خاسراً. وقد أكد هذا القيادي، أن توقيت هذه الزيارة هو فعلاً مجرد صدفة لا غير، وأن هذه الزيارة قد تمت حسب مواعيد وظروف كلاً من الرئيسين البارزاني والحريري.

2-
الإنتخابات البلدية في لبنان

تزامنت هذه الزيارة مع التحضير للإنتخابات البلدية في لبنان، وقد يظن البعض أن الهدف منها السعي لدى القيادات اللبنانية الرسمية لمراعاة مطالب أكراد لبنان، في ايجاد ممثلين عنهم على صعيد المخاتير والبلديات وكذلك مجلس النواب. إلا أن القيادي الكردي اللبناني إستبعد أن يكون هذا هو الهدف من زيارة البارزاني الى لبنان. وقد أشار هذا القيادي الى الكلمة التي ألقاها البارزاني أمام ممثلي الهيئات والجمعيات الكردية العاملة في لبنان، في اللقاء الذي تم في محل إقامة البارزاني في أوتيل فينيسيا، حيث لم يتطرق البارزاني في كلمته تلك الى هذا الموضوع لا تلميحاً ولا تصريحاً، كما أنه لم يتحدث في لقائه مع أبناء الجالية الكردية اللبنانية الى المواضيع التي تم طرحها مع القيادات اللبنانية.
 

 3-
الفتنة السنية الشيعية في لبنان والمنطقة   

تزامنت الزيارة مع عودة الحديث عن الفتنة السنية الشيعية في لبنان والمنطقة، خاصة بعد الحديث عن تورط قيادات وعناصر في حزب الله في عملية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري. وقد يربط البعض بين زيارة البارزاني الى المملكة العربية السعودية ذو الثقل السني، تلبية لدعوة ملكها، وبين زيارته لبنان تلبية لدعوة سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني السني، كما قد يظن البعض أن هذه الزيارة تصب في الإتجاه القاضي بتجيير أكراد لبنان للوقوف الى جانب السنة في حال نشوب أي صراع في لبنان بين السنة الشيعة. وحول هذا الأمر أكد القيادي الكردي اللبناني أنه في حال حدوث أي صراع داخلي قد ينشب في لبنان مستقبلاً، فإن جميع القوى الكردية العاملة في لبنان، وعلى اختلاف مشاربها السياسية وانتماءاتها الحزبية، من أحزاب سياسية وهيئات اجتماعية وجمعيات خيرية، لن تنجرف الى هذه الفتنة، وأكد هذا القيادي أن جميع القيادات الكردية في لبنان، متفقة فيما بينها على تحييد أكراد لبنان عن أي صراع محتمل بين الفئات اللبنانية، في الحاضر والمستقبل. وأن هذه القوى والهيئات متفقة فيما بينها على الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى والأحزاب السياسية اللبنانية، وعلى اختلاف انتماءاتها الدينية والمذهبية. كما أكد هذا القيادي أن أكراد لبنان قد استفادوا من دروس الماضي ولا يمكن لهم أن يكرروا التجربة الماضية من جديد، لما فيها من مآسي على الجميع. ثم تابع هذا القيادي قوله، أن البارزاني له علاقات مع عدد من القيادات اللبنانية ومن مختلف الطوائف والمذاهب، والدليل على ذلك هو نوعية القيادات التي التقى بها أثناء زيارته الى لبنان. فبالإضافة الى مضيفه رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري (السني)، فقد التقى البارزاني بكل من: رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان (الماروني)، ورئيس مجلس النواب نبيه بري (الشيعي)، ورئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق أمين الجميل (الماروني)، ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط (الدرزي).

هذا بالإضافة الى العلاقات المتينة بين البارزاني وبين عدد من القيادات العراقية ومن مختلف الطوائف والمذاهب، مما يسقط فكرة الربط بين زيارة البارزاني لكل من لبنان والسعودية، وبين ما يسمى بالفتنة السنية الشيعية.

وقد أكد القيادي الكردي اللبناني أن الحرب الوحيدة التي يمكن للأكراد المشاركة فيها في لبنان هي تلك الحرب التي تقوم للدفاع عن لبنان أرضاً وشعباً لصد العدوان الإسرائيلي، كما حدث عام 1982 عندما اجتاح جيش العدو الإسرائيلي لبنان، يومها شارك أكراد لبنان الى جانب إخوانهم اللبنانيين والفلسطينيين في الدفاع عن تراب هذا الوطن الغالي، وما الملحمة البطولية التي سطرها كوكبة من المقاتلين الأكراد في قلعة الشقيف في حنوب لبنان، إلا دليلاً ساطعاً على ذلك.

4-
الوضع العراقي الداخلي

جاءت الزيارة الى كل من السعودية ولبنان في الوقت الذي اشتد فيه الصراع على السلطة في العراق بين مختلف القوى والتكتلات السياسية العراقية، ما أدى الى التأخير في إعلان نتائج الإنتخابات البرلمانية ومن ثم عرقلة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. والزيارة جاءت من أجل التشاور مع القوى الإقليمية المجاورة للعراق والمهتمة في الشأن العراقي الداخلي، وكذلك من أجل إيجاد الحلول المساعدة في حلحلة الأمور المستعصية. هذا وكانت المصادر السعودية والكردية واللبنانية قد أجمعت في تصاريحها حول الهدف من الزيارة من أنها جاءت من أجل التباحث في الوضع العراقي الداخلي، وقد جاء ذلك على لسان السكرتير الصحفي لرئيس اقليم كوردستان، فيصل الدباغ، حيث أكد أن الزيارتين الى كل من السعودية ولبنان جاءت في إطار مساع تهدف إلى بحث موضوع تشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وكان هذا ما صرح به عمر الداعوق، المسؤول الإعلامي في مكتب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي قال إن "الحريري سيبحث مع البارزاني تشكيل الحكومة العراقية وقضايا المنطقة".

5-
الحرب المحتملة ضد إيران

جاءت الزيارة الى كل من السعودية ولبنان في الوقت الذي كثر فيه الحديث عن ضربة عسكرية محتملة ضد إيران بسبب ملفها النووي، وما قد ينتج عن ذلك من تداعيات وارتجاجات كبيرة على أكثر من صعيد وفي أكثر من بلد. ففي حال أقدمت إسرائيل أو أميركا أو الإثنين معاً على ضرب إيران فإن ذلك سينعكس على البلدان المجاورة لإيران كالعراق والسعودية وسوريا، بل حتى لبنان لن يسلم من تداعيات هذه الحرب المحتملة، بسبب وجود مقاتلي حزب الله الموالين لإيران وسوريا، ما قد يؤثر على مستقبل هذه البلدان وعلى الخارطة السياسية لها، ومما سيساعد على رسم معالم جديدة للشرق الأوسط. وقد تكون زيارة البارزاني الى كل من السعودية ولبنان من أجل امتصاص هذه الإرتجاجات المحتملة، ومن أجل اتخاذ بعض الإجراءات الإحترازية تحسباً لأي طارئ، خاصة وأن الحديث قد كثر في الآونة الأخيرة حول احتمال نشوب حرب عسكرية مدمرة بين قوات حزب الله اللبناني من جهة وبين القوات الإسرائيلية من جهة أخرى، مما قد يجر معه كل من سوريا وإيران، وتكون نتائجه كارثية على عموم المنطقة

6-
النشاط الإستثماري

هناك أمراً آخراً قد يكون أحد الأهداف الغير معلن عنها فيما يتعلق بزيارة البارزاني الى لبنان على وجه الخصوص، وهو النشاط الإستثماري. فقد يكون كلاً من البارزاني والحريري قد سعيا من خلال هذه الزيارة الى تشجيع الإستثمار المتبادل ما بين لبنان وإقليم كردستان، خاصة وأن الإقليم يشهد حركة نمو وازدهار، بفضل الأجواء الآمنة والمستقرة التي يعيشها، وبفضل التقدم في المشاريع العمرانية التي تم تنفيذها هناك. وقد يكون الرئيس البارزاني أراد من هذه الزيارة جذب المستثمرين العرب وخاصة اللبنانيين منهم للإستثمار في الإقليم. خاصة وأن البارزاني قد أشار خلال حديثه مع أكراد لبنان عن حركة الإستثمارات الواسعة التي يشهدها الإقليم، كما أشار الى وجود أكثر من عشرة الاف مواطن لبناني يعملون فيه.

وحول ما إذا كانت هذه الزيارة، التي وصفتها مصادر البارزاني بالناجحة، ستنعكس إيجاباً على أكراد لبنان، بأن تساهم في تعزيز مكانتهم السياسية والإجتماعية التي يطمحون إليها ويناضلون من أجلها، حتى يتمكنوا من لعب دور فاعل وبناء في الحياة السياسية اللبنانية. حول هذا الأمر يرى القيادي الكردي اللبناني، بأن أياً يكن الهدف من زيارة البارزاني الى لبنان، فإن أكراد لبنان قد لا يستفيدوا من هذه الزيارة لا على المستوى السياسي ولا على المستوى الاقتصادي، وإن أوضاعهم ما بعد الزيارة قد تكون هي نفسها ما قبلها، والدليل على ذلكيضيف القيادي الكردي اللبناني- أن السيد مسعود البارزاني، عند استقباله لوفد الجالية الكردية اللبنانية في محل إقامته في أوتيل فينيسيا، لم يتطرق الى احتياجاتهم، ولم يتسنى له الإستماع الى مطالبهم. وإنما كان حديثه اليهم منصباً حول الإنجازات التي تحققت في إقليم كردستان العراق، والأجواء الآمنة والمستقرة التي يشهدها الإقليم، وكذلك المشاريع العمرانية التي تم تنفيذها والتي أثرت على حركة الإعمار والإزدهار هناك.


وأضاف القيادي الكردي اللبناني، بإن السيد مسعود البارزاني يعلم ما يكنه له أكراد لبنان من تقدير ومحبة وإعجاب للدور الريادي الذي لعبه ويلعبه، ليس في كردستان والعراق فحسب وإنما في المنطقة أجمع. وأن السيد مسعود البارزاني يعلم ما قدمه أكراد لبنان من تضحيات في سبيل دعم نضال أكراد العراق. لذلك كان أكراد لبنان يتمنون على السيد مسعود البارزاني أن يجيير زيارته الى لبنان وعلاقاته بالقيادات اللبنانية لمصلحتهم، وأن يقوم بالإستماع الى مطالبهم، ومساعدتهم ما أمكن في تحقيق بعض هذه المطالب.

ويضيف القيادي الكردي، أياً يكن الأمر فإن أكراد لبنان سيستمرون في اعتبار السيد مسعود البارزاني قائدهم القومي كما كانوا يعتبرون القائد الراحل الملا مصطفى البارزاني قائداً تاريخياً لهم